ود مدني: من بيان مقتضب إلى مأساة إنسانية مفتوحة
بيان رسمي يفتح باب الجحيم
في يوم الاثنين 18 ديسمبر 2023، أصدر الجيش بيانًا مقتضبًا حول انسحاب قوات الفرقة الأولى من مدينة مدني، معلنًا عن فتح تحقيق في ملابسات الانسحاب. كانت الكلمات قليلة، لكن واقع الحدث كان أكبر من مجرد بيان. هذا الإعلان كان بداية مرحلة جديدة من العنف والمآسي التي شهدتها ولاية الجزيرة، حيث بدأت ميليشيا الدعم السريع في التمدد داخل مدني وبقية مناطق الولاية التي كانت حتى وقت قريب ملاذًا آمنًا للنازحين.
سيطرة الدعم السريع على الولاية
بعد أيام من المعارك العنيفة، تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة. الجيش، الذي كان قد انسحب دون مقاومة تُذكر، فتح تحقيقًا في أسباب انهيار دفاعاته، لكن في الواقع كان الهجوم العسكري يتخطى البُعد العسكري ليشمل دمارًا إنسانيًا فادحًا. وشيئًا فشيئًا، تمددت ميليشيا الدعم السريع في جميع أنحاء الولاية، مما أدى إلى سقوط مدن أخرى مثل رفاعة، والجنيد، والكاملين، وأخيرًا الحصاحيصا.
فراغ عسكري وإنساني في ود مدني
لم يكن الانسحاب العسكري مجرد فراغ عسكري فحسب، بل كان فراغًا إنسانيًا كارثيًا. ترك الجيش المدينة ومحيطها دون حماية، مما سمح للميليشيا بتوسيع سيطرتها بسهولة. الولاية الزراعية التي كانت تعد من أكبر سلال السودان قد تحولت إلى منطقة حرب، وأصبحت القرى والبلدات عرضة لعمليات النهب والتخريب. المدنيون أصبحوا تحت رحمة ميليشيا لا تعرف سوى لغة القتل والتنكيل.
جرائم الحرب على الأرض: القتل والتعذيب والاغتصاب
مع تقدم ميليشيا الدعم السريع، سقط الآلاف من المدنيين بين قتيل وجريح. في العديد من القرى، أُعدم الرجال جماعيًا بدم بارد، بينما كانت الجرائم ضد النساء في تزايد مستمر. منظمات حقوق الإنسان وثقت العديد من حالات الاغتصاب، شملت نساء وفتيات، بعضهن من الكوادر الطبية. وفي ظل غياب أي شكل من أشكال الحماية أو الأمل في النجاة، أقدم العديد من النساء على الانتحار هربًا من مصير أسوأ.
تهجير جماعي لمئات الآلاف
المجازر لم تقتصر على القتل والتعذيب فقط، بل شملت أيضًا عمليات تهجير جماعي للسكان. عشرات الآلاف من المدنيين هُجّروا من ديارهم، حيث سلكوا طرقًا طويلة سيرًا على الأقدام. الأكثر تأثيرًا كانت حالة النساء والأطفال، الذين أصبحوا عرضة لكل أشكال المعاناة دون أي أفق لحل.
مجزرة ود النورة: نقطة التحول الدموية
في يونيو 2024، وقعت واحدة من أسوأ المجازر في تاريخ الجزيرة، حيث حوصرت قرية "ود النورة" بعشرات العربات القتالية، وأُطلق النار على الأهالي بشكل عشوائي. سقط 250 قتيلًا و300 جريح، بينما نزح 90% من السكان. كانت هذه المجزرة نقطة تحول في مسار النزاع، حيث كشفت مدى بشاعة الجرائم التي تُرتكب بحق المدنيين.
الحكم العسكري: خمس سنوات مقابل عشرات الآلاف من الضحايا
وسط هذه المآسي، أصدرت محكمة عسكرية حكمًا بالسجن خمس سنوات بحق قائد الفرقة الأولى مشاة، اللواء أحمد الطيب، بعد إدانته بالإهمال، مع إسقاط تهمة الخيانة. الخمس سنوات كانت بمثابة إغلاق ملف عسكري، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل يكفي هذا الحكم لتكفير الأضرار التي لحقت بالجزيرة؟ وهل سيكون هذا الحكم نهاية للمسؤولية، أم بداية لسلسلة من التحقيقات التي قد تكشف عن مسؤوليات أعلى؟
في النهاية، يبقى الجرح مفتوحًا، وملف المأساة لا يزال بحاجة إلى إجابات شافية.
