ناجي الكرشابي يكتب: التحول التركي والدولي .. من الحرب في السودان
لم يكن الموقف التركي في بداية الحرب مختلفًا كثيرًا عن غالبية العواصم الدولية المؤثرة: حذرٌ، وتوازنٌ لفظي، وميلٌ إلى مساواةٍ شكلية بين طرفين متحاربين، تحت لافتة الدعوة إلى هدنة إنسانية، ووقف إطلاق النار، والحل السياسي.
لأشهرٍ طويلة، بدت الحرب في السودان، في نظر كثيرين خارج الإقليم، صراعًا داخليًا معقّدًا بين أطراف محلية متنازعة، في دولة بعيدة عن دوائر الاهتمام العالمي المباشر. غير أن هذا التصور بدأ يتآكل تدريجيًا، إلى أن انهار تقريبًا مع اتساع رقعة الحرب، وتحوّلها إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والأمنية في التاريخ المعاصر.
هذا الموقف لم يبقَ ثابتًا. ومع مرور الوقت، بدأت أنقرة – ومعها أطراف دولية مؤثرة – في إعادة النظر في توصيف ما يجري في السودان، في تفاصيله وجوهره.
ما يجري في السودان اليوم تجاوز كونه نزاعًا على السلطة، أو أزمة انتقال سياسي متعثر، ليصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدولي والإقليمي على منع انهيار دولة مركزية تقع في قلب أكثر المناطق حساسية: البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ولكن لماذا تغيّر الموقف الدولي، وتركيا تحديدًا، من حرب السودان؟
من التحفّظ إلى إعادة التوصيف..
لقد تغيّر الاعتقاد السائد بإمكانية احتواء الحرب عبر وساطة متوازنة، وضغط دبلوماسي محدود. وانعكس هذا الفهم في الخطاب الدولي، بما فيه الخطاب التركي، الذي كان يتجنّب الانحياز العلني لأي طرف.
كما أن الوقائع على الأرض سرعان ما فرضت قراءة مختلفة، بعد اتساع رقعة الحرب وتعقّد مساراتها، بدلًا من الاتجاه نحو التهدئة، وبدأت تتكشف طبيعتها القاسية وأنها ليست مواجهة سياسية قابلة للتسوية السريعة، بقدر ما هي صراع بين مؤسسة دولة تحاول الحفاظ على بقائها، وقوة مسلحة مدعومة إقليميًا تعمل خارج أي إطار مؤسسي، وتفرض سيطرتها بالقوة. هذا التحول في الفهم جاء نتيجة مسارات تراكمية وقراءة عميقة للوقائع الميدانية والحسابات الإقليمية. ومع كل جولة فاشلة من وقف إطلاق النار، كانت فكرة «الطرفين» تفقد معناها العملي.
لماذا لم يعد الحياد ممكنًا؟
التحفّظ التركي، كما التحفّظ الدولي عمومًا، اصطدم بثلاث حقائق يصعب تجاوزها. أولها فشل كل محاولات وقف إطلاق النار المؤقت، بسبب غياب الالتزام من جانب الدعم السريع، ما أفرغ لغة «المسؤولية المشتركة» من معناها ومضمونها العملي.
ثانيًا، انفجار الوضع الإنساني غير المسبوق، خاصة بعد الانتهاكات الواسعة التي تلت سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور غربي البلاد، وهو ما جعل من السودان أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، مع انهيار شبه كامل للبنية المدنية، بحسب الأمم المتحدة. وقد نقل ذلك الأزمة من خانة «نزاع داخلي» إلى تهديد إقليمي متعدّد الأبعاد.
ثالثًا، انتقال تأثير الحرب خارج الحدود، وبدء تهديدها المباشر لأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وعند هذه النقطة تحديدًا، انتقل الصراع من كونه شأنًا سودانيًا داخليًا إلى ملف إقليمي بامتياز.
أنقرة تراجع حساباتها..
بالنسبة لتركيا، لا يمكن فصل أي أزمة في البحر الأحمر عن أمنها البحري والتجاري. ومع تعقّد المشهد السوداني، بدأت أنقرة تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة: هل يؤدي استمرار المساواة السياسية بين الدولة والمليشيا إلى الاستقرار؟ أم إلى ترسيخ الفوضى؟
زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إلى أنقرة شكّلت التعبير العلني عن هذا التحول. فالاستقبال، والاجتماع رفيع المستوى الذي جمعه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وشارك فيه من الجانب التركي وزراء الخارجية والدفاع والزراعة، ورئيس جهاز الاستخبارات، ورئيس هيئة الصناعات الدفاعية، ومستشار الأمن القومي، ومن الجانب السوداني وكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي، ومدير المخابرات، ومدير الصناعات الدفاعية، إضافة إلى اللغة السياسية المصاحبة والرسائل المتبادلة، كلها عكست انتقالًا من موقع الحياد الحذر إلى الاعتراف الواضح بشرعية الدولة السودانية، ورفض أي مسارات تُشرعن السلاح خارج مؤسساتها.
ويظهر هذا الموقف، غير العاطفي أو الانفعالي، كخيار سياسي محسوب بدقة، ومتّسق مع التجربة التركية التاريخية في مواجهة الانقلابات والتنظيمات المسلحة، ومع رؤيتها لأمن الإقليم، وإدراكها لخطورة التسويات التي تتجاوز الدولة المركزية.
محددات المقاربة التركية
تنطلق المقاربة التركية، كما يبدو، من جملة محددات. في مقدمتها وحدة الدولة وشرعية المؤسسات. فتركيا، بحكم تجربتها الطويلة مع الانقلابات ومحاولات تقويض الدولة من الداخل، تدرك خطورة التسويات التي تتجاوز الدولة المركزية أو تُضعفها.
المحدد الثاني هو أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فاستقرار السودان ليس مسألة تضامن سياسي لتركيا، بل جزء من منظومة أوسع تمس المصالح التركية الاقتصادية والأمنية.
أما المحدد الثالث، فيتعلق باستحالة الفصل بين الإنساني والسياسي. فالتعامل مع الكارثة الإنسانية بمعزل عن جذورها السياسية والأمنية لم يعد خيارًا عمليًا. ومن هنا، تبرز فكرة الجمع بين الحسم الأمني والمسار السياسي، دون تفكيك الدولة.
حديث القيادة السودانية عن تحول العلاقة مع تركيا إلى شراكة استراتيجية يعكس إدراكًا متبادلًا بأن ما بعد الحرب لا يقل أهمية عن الحرب نفسها. فإعادة الإعمار،والموانئ، والبنية التحتية، والطاقة، والزراعة، كلها ملفات يمكن أن تشكّل قاعدة لمصلحة مشتركة طويلة الأمد، تربط السلام بالتنمية، وتُخرج السودان من دائرة الاعتماد على المساعدات وحدها.
التحول التركي جزء من مشهد أوسع
لم يتغير الموقف التركي من فراغ، بل جاء متوازيًا مع تحوّل أوسع في اللغة الدولية تجاه السودان. فالولايات المتحدة، التي لعبت دورًا محوريًا عبر مسار جدة بالشراكة مع السعودية، اصطدمت بحدود قدرتها على إدارة نزاع متعدد الطبقات. واشنطن لا تريد دولة فاشلة جديدة في أفريقيا، لكنها أيضًا لا ترغب في انخراط مباشر طويل الأمد.
لذلك، بدأت تميل إلى دور المنسّق والمفوّض، مع إتاحة مساحة أكبر لقوى إقليمية قادرة على التأثير الفعلي، وفي مقدمتها السعودية ومصر.
بالنسبة للرياض، انتقل الملف السوداني من وساطة إنسانية إلى مقاربة تربط الحل بأمن البحر الأحمر، وترفض الحلول الرمادية التي تُبقي المليشيات كأمر واقع. أما القاهرة، وبحكم حدودها الطويلة مع السودان وصعوبة تأمينها، والعلاقات الشعبية العميقة بين البلدين، فقد شددت على وحدة الدولة السودانية ورفض الكيانات الموازية، واعتبرت ذلك تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، المرتبط بالأمن القومي السوداني، وعدّته من الخطوط الحمراء التي لن تتهاون حيالها، مستدعيةً اتفاقية الدفاع المشترك بين القاهرة والخرطوم.
وباتت الرسالة الإقليمية والدولية المشتركة أكثر وضوحًا: سياسة «إدارة الأزمة» ليست كافية تجاه الحرب في السودان، كما أن مساواة الدولة بالمليشيات لم تعد خيارًا مقبولًا دوليًا.
من إدارة الصراع إلى حماية الدولة
لعل التحول الأهم في النظرة الدولية يتمثل في الانتقال من محاولة «إدارة النزاع» إلى التفكير في حماية بنية الدولة نفسها. فالاعتراف الضمني أو الصريح بكيانات مسلحة موازية لم يُنتج سلامًا في أي تجربة مشابهة، بقدر ما أنتج حروبًا أطول وانقسامات أعمق.
ومن هذا المنظور، يصبح دعم مؤسسات الدولة السودانية – رغم كل ما يحيط بها من تحديات – خيارًا أقل كلفة من ترك البلاد تنزلق نحو نموذج «التفكك المزمن» في المنطقة.
قد يتساءل البعض عن أهمية السودان نفسه في هذه الحسابات. غير أن السودان لم يعد بلدًا بعيدًا عن المعادلات التركية أو الإقليمية أو حتى الدولية، إذ ينعكس استقراره أو انهياره بعمق على أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، وتوازنات القرن الأفريقي، ومنع توسّع الفوضى في محيط إقليمي شديد الحساسية.
وتركيا، التي تسعى إلى لعب دور متوازن في الإقليم، وجدت نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما إما الاستمرار في خطاب الحياد، أو الانحياز لمبدأ الدولة. ويبدو أنها اختارت الخيار الثاني.
خلاصة القول .. ما تغيّر في الموقف الدولي لا يُقرأ في سياق التعاطف مع أحد أطراف الحرب في السودان، بقدر ما هو إدراك متأخر لطبيعة الصراع. فالسودان لم يعد ساحة نزاع عابر، وإنما اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على حماية دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة من التفكك.
وفي هذا الاختبار، لم تعد استراتيجيًا ولا سياسيًا المساواة بين الدولة والفوضى، بل أصبحت خطأً استراتيجيًا لا بد من معالجته.
وتركيا، كما يبدو، قرأت هذا التحول في وقته، وانتقلت من التحفّظ والحياد إلى دعم شرعية الدولة في السودان. وهو تحول قد لا ينهي الحرب سريعًا، لكنه بلا أدنى شك يغيّر قواعد التعامل معها، ويضعها أخيرًا في سياقها الصحيح.
وفي المحصلة، فإن ما يجري في السودان لم يعد اختبارًا لإرادة أطرافه وحدهم، لأن التجارب القريبة والبعيدة أثبتت أن التسويات التي تتجاوز المؤسسات، أو تُشرعن السلاح خارجها، لا تُنتج سلامًا مستدامًا، وإنما تؤجل الانفجار وتوسّع كلفته. ولذلك فإن ما يجري في السودان هو إمتحان عصيب لجدية الإقليم والمجتمع الدولي في التعامل مع مفهوم الدولة ذاته.
والتحول في الموقف التركي، ضمن هذا السياق، لا يكتسب أهميته من كونه دعمًا سياسيًا لحكومة قائمة فحسب، هو جزء من إدراك أوسع بأن حماية الدولة، مهما كانت هشاشتها، تظل أقل كلفة من إدارة فوضى مفتوحة بلا أفق.
ومن هنا، فإن ما بعد هذا التحول لن يُقاس فقط بميزان المعارك، بل بقدرة السودانيين، ومعهم شركاؤهم الإقليميون والدوليون، على تحويل هذا الإدراك إلى مسار يربط إنهاء الحرب بإعادة بناء الدولة، لا القفز فوقها.
وإذا كان الحياد قد بدا في لحظة ما خيارًا ممكنًا، فإن الواقع أثبت أن الحياد في مثل هذه الحروب ليس موقفًا محايدًا، وقد يشكل مساهمة غير مباشرة في إطالة أمدها. أما الانحياز لمبدأ الدولة، فهو، في النهاية، انحياز لإمكانية الخروج من الحرب، لا لإدارتها.
