-->

لماذا تخلت السعودية عن "خطة الرباعية" ولماذا بدأت تميل نحو خطابات معادية للغرب؟


في تحول مفاجئ في السياسة الإقليمية، أعلنت المملكة العربية السعودية عن تراجعها عن خطة الحوار الرباعي، التي كانت قد وافقت عليها في وقت سابق. وكان من المفترض أن تلتزم الخطة بوقف إطلاق النار بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد دقلو "حميدتي"، وتسليم البلاد إلى قيادة مدنية. هذه الخطوة لم تقتصر على السودان فحسب، بل كانت جزءاً من سلسلة تغييرات استراتيجية تسير بها المملكة نحو علاقات جديدة مع خصومها الإقليميين والدوليين.

السعودية والسياسة السودانية: تراجع عن خطة السلام


وتخلت الرياض عن "خطة الرباعية" التي نصت على التزام الجيش السوداني بوقف إطلاق النار وتسليم البلاد لقيادة مدنية، وبدلاً من ذلك، قدمت دعماً غير مباشر للجيش السوداني بقيادة البرهان، بما في ذلك تمويل صفقة لشراء أسلحة باكستانية بقيمة 1.5 مليار دولار، وهو ما يعد انتهاكاً للحظر الدولي المفروض على تصدير الأسلحة إلى السودان. وكان البرهان جزءاً من نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، الذي كان يعد من أبرز حلفاء الجماعات الإسلامية المتشددة. تتداخل سياسات السعودية في السودان مع علاقاتها المعقدة مع الحركات الإسلامية، مما يثير التساؤلات حول التوجهات الجديدة للمملكة في المنطقة.

السعودية تبتعد عن الإمارات وتدعم إيران: انقسام في التحالفات


بالإضافة إلى تغيير موقفها تجاه السودان، شهدت الرياض تحولات كبيرة في علاقاتها الإقليمية. بعد انفصالها عن الإمارات العربية المتحدة في الملف اليمني، شنّت الطائرات السعودية غارات على مواقع إماراتية، مما أثار توترات جديدة في علاقات التحالف. في خطوة غير متوقعة، بدأت السعودية في الضغط على الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، من أجل العفو عن النظام الإيراني، الخصم اللدود للرياض منذ عام 1979. هذه التغييرات تشير إلى تحول استراتيجي في السياسة السعودية نحو مزيد من التقارب مع إيران في وقت كانت فيه تتبع سياسة إقليمية أكثر عدائية تجاهها.

السعودية تغير وجهتها تجاه إسرائيل: مواقف جديدة ورؤية مستقبلية


أحد التحولات الأكثر لفتاً للنظر هو التغيير الجذري في الموقف السعودي من إسرائيل. بعد سنوات من تبني خطاب إصلاحي وتحقيق التقارب مع الغرب، بما في ذلك الحديث عن إمكانية التطبيع مع إسرائيل في إطار تسوية للقضية الفلسطينية، فجأة بدأ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بتغيير هذا النهج. فقد شدد الإعلام السعودي على استحالة التطبيع مع إسرائيل في ظل سياساتها الحالية تجاه الفلسطينيين. بدأت وسائل الإعلام السعودية في نشر مقالات تنتقد السياسات الأمريكية والإسرائيلية، مما يعكس تحولاً في السياسة الخارجية للمملكة.

الأزمة الاقتصادية: الدوافع الخفية وراء التحول في السياسة


لكن وراء هذه التحولات السياسية، يكمن فشل داخلي يهدد استقرار المملكة. ورغم رؤية محمد بن سلمان 2030 التي تهدف إلى تحويل الاقتصاد السعودي من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد معرفي مزدهر، إلا أن الواقع يظهر أن المملكة لا تزال تعتمد بشكل كبير على إيرادات النفط. وفي ظل التراجع العالمي في أسعار الطاقة، تتزايد الضغوط الاقتصادية على المملكة. في عام 2025، بلغ العجز السعودي حوالي 65 مليار دولار، مما يشير إلى أن المملكة قد تجد نفسها في موقف صعب إذا استمر تراجع أسعار النفط.

السعودية بين السياسة الداخلية والضغوط الإقليمية


لطالما كان الازدهار الاقتصادي هو أساس العقد الاجتماعي في السعودية، ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية، يبدو أن الحكومة السعودية بدأت في توجيه خطابها بشكل أكثر وضوحاً نحو الإسلام السياسي. هذا الخطاب يستهدف تهدئة الغضب الشعبي بسبب التحديات الاقتصادية الداخلية. لكن هذه السياسة قد تفتح أمام السعودية أبواباً من التناقضات، خاصة إذا ما سلكت المملكة طريقاً مماثلاً لتلك التي اتبعتها قطر وتركيا، اللتان تمزجان بين تحالفات مع الغرب وانتقادات لاذعة له في نفس الوقت.

ماذا يعني هذا بالنسبة للعلاقات الأمريكية السعودية؟


السؤال الذي يظل مطروحاً هو: لماذا هذا التغيير المفاجئ في سياسة السعودية؟ الجواب الأكثر ترجيحاً هو أن السعودية تسعى لإعادة تنظيم تحالفاتها لمواجهة التحديات الداخلية. لكن هذه التحولات قد تحمل عواقب على العلاقات الأمريكية السعودية في المستقبل. فمع تحوّل الرياض نحو تقوية العلاقات مع إيران، والابتعاد عن الغرب في قضايا حاسمة، قد تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة مع حليف كانت تعتبره من الثوابت في منطقة الشرق الأوسط.

بينما تسعى السعودية إلى استعادة نفوذها الإقليمي، قد يكون من الأهمية بمكان أن تعيد الولايات المتحدة تقييم علاقاتها مع المملكة وتفكر في عواقب هذه التحولات، خاصة في ظل استمرار تزايد التوترات الإقليمية.

المصدر: مجلة "ناشيونال إنترست"